الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
34
نفحات القرآن
ذلك يسمى تصدية ، وعلى هذا الأساس سمي تردد الصوت بين الجبال بالصدى ، ولم ينتهوا إلى هذا الحد بل كانوا يطوفون عراة كما ولدتهم أمهاتهم حول الكعبة ، وهذا ما أشير إليه عندما نزلت سورة براءة وقام بإبلاغها أمير المؤمنين علي عليه السلام في شهر ذي الحجة بقوله : « لا يطوفَنَّ بالبيت عُريانٌ ولا يحُجنَّ البيتَ مشركٌ . . . » « 1 » . ويقال : إنّ السبب من طوافهم عراة أنّ مجموعة من العرب يُسمّون أنفسهم ( حُمس ) « 2 » يعتقدون بأنّ طوافهم حول الكعبة يجب أن يكون بلباس خاص ، ومن لم يملك ذلك اللباس ويطوف بملابسه المعتادة فعليه أن يرميها بعيداً بعد انتهاء الطواف ولا يحق له وللآخرين استخدامها ولذلك يطلقون على هذه الألبسة ( اللَقاء ) ، أي ما يُلقى من الثياب ، وإذا اخذ بنظر الاعتبار أنّ أكثر الناس كان يسودهم فقر مدقع ولا يملكون إلّالباساً واحداً فيضطرون لخلعه من أجل الاحتفاظ به ويطوفون عراة حول الكعبة . وقد استفاد أصحاب الشهوات أحياناً من هذه الخرافة ليتمتّعوا بالنظر إلى الشباب من الرجال والنساء عندما يعرضون أجسادهم عارية « 3 » . ويذكر ابن هشام أنّ الرجال كانوا عراة تماماً . أمّا النساء فكنَّ يخلعن كل ملابسهن ما عدا ثوباً مشقوق الذيال يبدي أجسامهن ثم ينشغلن بالطواف ، وذات يوم طافت امرأة في تلك الهيئة أمام أعين رجال شرهة فأنشأت هذا الشعر الذي حفظه لنا التاريخ : اليَومَ يَبدُو بَعضُهُ أَو كُلُّهُ * فما بَدا مِنهُ فَلا أحِلُّهُ « 4 » أمّا القرابين التي يقدمونها إلى الأصنام فلها قصةٌ مفصلةٌ ، فمن جملة ذلك أنّ الناس في ( دومة الجندل ) « 5 » كانوا يقدمون شخصاً في كل سنة قُرباناً إلى الآلهة مع مراسم خاصة ثم يدفنون جسده المدمى قرب المذبح ، حتى كتب بعضهم : ا نّ المصريين كانوا يقدمون أجمل
--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 3 ، في ذيل الآيات الأولى لسورة البقرة . ( 2 ) « حُمس » على وزن « خُمس » جمع « أحمس » وهو من تعصب لدينهِ ، ولأنّ قريش كانت توطد عقيدةالشركلذلك وصفوا أنفسهم بال ( حُمس ) . ( 3 ) الإسلام والعقائد والآراء البشرية ، ص 288 . ( 4 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 215 . ( 5 ) منطقة في شمال غربي ( نجد ) في قمة جبال الجزيرة العربية ، وهناك كانت قصة وقوع التحكيم بصفين .